قصة جدتي وأزهار الخزامى

ملخص قصة جدتي وأزهار الخزامى
في بيت صغير محاط بحديقة مليئة بأزهار الخزامى والياسمين، عاشت الراوية مع أسرتها وجدتها لأبيها، التي كانت تقضي معظم العام معهم. كانت الجدة محبوبة من الجميع، تسرد الحكايات وتوزع الحلوى، وتحفظ لهم أكياس الخزامى المعطرة بأشرطة ملونة، وكأنها تهديهم شيئًا من قلبها. كانت العائلة سعيدة، يجتمعون حول مائدة الطعام، ويقضون أوقاتهم في اللعب والمرح، رغم الخوف الذي زرعه الجيران في قلوب الأطفال بأن البيت مسكون بالأرواح.
لكن السعادة لم تدم طويلًا، فذات ليلة استيقظت الأسرة على مرض الجدة المفاجئ. رفضت الجدة الذهاب إلى المستشفى، مصرة على البقاء في بيتها بين أحبائها. حينها طلبت من ابنتها أن تقرأ لها آيات من القرآن، ثم طلبت كفنها الذي أعدته مسبقًا، معطرًا برائحة الخزامى التي أحبتها دائمًا. نام الأطفال متمنين لها الشفاء، لكنهم في الصباح صحوا على صوت البكاء، لقد فارقت الجدة الحياة بهدوء، ونامت للأبد بوجه ملائكي.
وقفت الراوية أمام الجدة، تهمس بأسئلة لم يعد لها جواب، متمنية لو أخبرتها في الليلة الماضية كم تحبها. شعرت بندم غريب لعدم البقاء بجانبها، لكنها أدركت أن الموت جزء من الحياة. بمرور الأيام، أصبحت رائحة الخزامى تذكرها بجدتها، وكأن عبير الأزهار يحمل جزءًا من روحها، ليبقى طيفها حاضرًا في كل زاوية من البيت، وبين ضحكات الأحفاد ودموع الفقد، تظل ذكرى الجدة خالدة، مثل عطر الخزامى الذي لا يزول.
قصة جدتي وأزهار الخزامى مكتوبة
كان عمري ثمانية أعوام، وكنت أعيش مع أبي وأمي وإخوتي وجدتي لأبي. كان بيتنا يتكون من طابق واحد، وكان حجره أبيض ناصعًا. وكان – كمعظم منازل عمان القديمة – محاطًا بحديقة صغيرة خلف المنزل فيها عريشة عنب وأشجار مختلفة الثمار من الفاكهة وورود وياسمين وخزامى (لافندر) تتوزع أمام البيت وعلى جنباته.
كان أبي وأمي – أطال الله عمرهما – يعشقان الورد والياسمين، وكنت أرى أبي يمضي ساعات طويلة يسقي الورود من حمر وصفر وبيض وزهرية ويشذبها. وبعد أن ينتهي من عمله في الحديقة قبل تناول الغداء كان يقطف بعض الفاكهة حتى نأكلها بعد الغداء. وكم من مرة سمعت أمي تقول له:
- إنك تتعب نفسك أكثر مما يلزم، تعال، لقد حان موعد الغداء.
فيأتي ونتناول الطعام معًا، ثم يتمدد نصف ساعة يساعدنا بعدها، هو وأمي، في دروسنا. وهكذا كانت الأيام تمر بسرعة مذهلة.
البيت وحديقته الساحرة
كان بيتنا محاطًا بسور عال وباب حديدي له نافذة صغيرة، يرى الصغار من خلالها القادم فلا يفتحون الباب لغريب أو متطفل. أما الممر الطويل المؤدي إلى البيت فكان أبي قد زرع فيه أزهار الخزامى الملونة العطرة، وضروبًا من الورد البلدي. وإلى يمين الممر وما وراء الخزامى كانت هناك بركة مستديرة لها نافورة أحاطتها أمي بقوارير ملأى بفم السمكة، لأنها تزهر صيف شتاء.
وكانت هذه زاوية أمي الخاصة؛ فهي التي تعتني بها، وتبذر بذورها عندما تجف، وتبذرها مرة أخرى في موسم تال حتى إذا تفتحت أعطتها ضيوفها.
أما الطرف الآخر من الممر فكانت فيه بركة أقل عمقًا وأكثر اتساعًا. كنا نسبح فيها أيام العطل وأيام الحر وكنا نقضي بعد الظهر باللعب والصراخ إلى أن تبح أصواتنا.
داخل البيت وذكريات الطفولة
أما ياسمينات أمي فكان أبي قد أحضر عاملًا لينصب لها أعوادًا تحمل أوراق الياسمين وتمتد بالقرب من نوافذ غرف النوم. وربما كان هذا سبب ولعي بالياسمين، فهو أول ما كنت أستنشقه عند الصباح.
من هذا الممر الجميل المزين بالألوان والروائح نصل إلى خمس درجات رخامية تؤدي إلى شرفة كبيرة رسمت جدرانها بمربعات خطوطها سود. وكنا نلعب أنا وأختي فايزة وفاتن في فناء البيت لعبة “الإكس”، وهي لعبة صارت شبه منقرضة اليوم.
ندخل البيت فنرى أمامنا مدخلًا صغيرًا على حائطه مرآة وفيه طاولة وكرسي أنيق، وهو يؤدي إلى صالونين كبيرين تليهما غرفة الطعام. أما غرف النوم فكانت خمسًا يتوزعها أفراد العائلة.
الغرف العائلية والاجتماع اليومي
فغرفة لأمي وأبي، وغرفة لجدتي مع شرفة صغيرة كانت تحبها جدتي كثيرًا، وغرفة لفايز وفواز، وغرفة لمحمد وكابد، وغرفة كبيرة جدًا لفايزة وفاتن ولي.
كنا نجتمع وقت الطعام فرحين مع جدتي التي كانت تعيش معنا تسعة أشهر في السنة، وتمضي فصل الصيف عند عمتي، وعندما تعود تكون في غاية الشوق إلينا وإلى بيتها.
ما كان أجمل حياتنا.
أما جدتي الأخرى فكانت تزورنا كثيرًا، فقد كان في غرفة جدتي لأبي سرير آخر لضيوفها: أختها أو جدتي لأمي، وكان السريران جميلين محليين بناموسيتين ناصعتي البياض. وإزاء كل سرير كان هناك طاولة صغيرة بها درجان كبيران فيهما ما لذ وطاب من أصناف الحلوى. ففيها الملبس والشوكولاتة والبسكويت، أما الدرج الثاني فكان يحتوي على أصناف المملحات على أنواعها من فستق ولوز وبذور.
وكنا – نحن الأحفاد – نسعى في خدمتها وإرضائها لكي تقدم لنا ما لذ وطاب من الحلوى والموالح. وكانت تصر على أن نتناول غداءنا وفاكهتنا أولًا، ثم تعطينا ما يكفينا من الأطايب.
كانت جدتي كبيرة في السن وكانت تمرض من وقت لآخر، فترعبنا جميعًا، لكنها ما تلبث أن تصحو في اليوم التالي وكأن الله قد من عليها بعمر جديد. كانت – رحمها الله – طيبة لا تبخل علينا بشيء.
وكانت تحتفظ لنا بصور في خزانتها. أجمل أيام حياتنا كانت عندما تجتمع الجدتان وتتباريان في قص أجمل الحكايات علينا، وتوزيع ما لديهما مما لذ وطاب.
وقت القيلولة ومخاوف الطفولة
أما بعد الظهر فقد كان وقتًا مقدسًا بالنسبة إلى كبار العائلة؛ فهو وقت تنام فيه الجدتان وينام أبي وأمي نصف ساعة أو ساعة. كانت هذه القيلولة عذابًا لنا وكم من مرة أفاق أبي غاضبًا لأننا أيقظنا الجدة أو الجدتين بصراخنا.
وكان جيراننا يقولون لنا:
- لا تبقوا في هذا البيت فهو مسكون بالأرواح.
كنا نسمع هذا الكلام من أولاد الحي وننام مرعوبين.
ليلة الخوف والمفاجأة
وفي أحد الأيام أغلق أبي الباب بقوة، فركضنا خائفين إلى جدتي وأمي وأبي الذين هدأوا روعنا وقرأوا علينا بعض سور القرآن الكريم إلى أن نمنا.
وفي إحدى الليالي صحونا على صوت أمي وأبي وهما خائفان.
قالت أمي: يجب أن تحضر الطبيب لأمك.
فقال أبي: ولكن الطبيب في قريته. فقد ذهب اليوم لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في قريته إربد.
ردت أمي: إذا علينا أن نأخذها إلى المستشفى.
رفضت جدتي ذلك وقالت: لا أريد الذهاب إلى المستشفى، قريبتي فلانة ذهبت إلى المستشفى ولم تعد.
كانت جدتي لأبي مدللة ورقيقة، لا تحب أن يناقشها أحد في شيء.
قال أبي: يا نانا، أنت تحتاجين إلى عناية طبية؛ فنفسك ثقيل وحرارتك مرتفعة.
أجابت جدتي: لا، لا أرجوكما، أريد أن أموت في بيتي وعلى سريري وبين أحفادي.
قال أبي: حسنا، سأطلب من أختي الحضور حالا.
جدتي والكفن الأبيض
استيقظ الجميع وطوقنا سرير جدتي. طلبت جدتي إلى أمي قراءة بعض سور القرآن الكريم، وقالت: إن القرآن يهدئ سريرتي.
وعندما انتهت أمي من القراءة، قالت لها: أرجو أن تحضري لي كفني من تلك الخزانة.
كانت جدتي قد حضرت كفنها قبل وقت وكأنها كانت تخاف المفاجآت. وما كنت أعرف ما الكفن إلا عندما جاءت أمي بصرة من القماش بيضاء ناصعة تفوح منها رائحة الخزامى. وعندئذ قالت لنا أمي: اتركوا الجدة لترتاح.
رجونا للجدة نوما هادئا وطول العمر، وذهبنا إلى غرفة نومنا.
أخذت أتذكر كيف كانت جدتي تجفف أزهار الخزامى وتضعها داخل أكياس من التول، وتربطها بشريط ملون. وأدركت السبب. هكذا إذن! إنه يستعمل لإعطاء الكفن رائحة ذكية.
ذكريات الخزامى والعائلة
ولكن جدتي كانت تعطي كل واحد منا عشرة أكياس من الخزامى، وتخصصه بشريط له لون معين.
ترى، هل كانت جدتي تحضر أكفاننا أيضا؟
خفت على أبي كثيرا، فقد كانت جدتي تخصه بأكثر الأكياس، وتقول له: ضعها بين ملابسك لأنها تمتص رائحة الدخان العالقة في ثيابك أو تطغى عليها.
سألت أمي وأنا جزعة: هل تسمحين لي بالتخلص من كل أكياس الخزامى الموجودة في البيت؟ لأنني لا أريد لأحدنا أن يموت.
فضحكت أمي وقالت: لا تخافي يا ابنتي، فاللافندر معطر ولا علاقة له بالموت.
فارتحت. وتمنت لنا الوالدة ليلة هانئة ونمنا، ولكننا كنا قلقين، وفي الوقت نفسه كنا نظن أن جدتنا ستصحو كما في كل مرة تمرض فيها.
رحيل جدتي
عند الصباح صحونا على صوت أمي وأبي وعمتي وهم يبكون، فعرفنا أن جدتنا قد أسلمت الروح.
ذهبت إلى سريرها فلم أصدق ما رأيت. كانت نائمة بهدوء وكان لون وجهها ملائكيا.
قلت لها: هل تريدين الشاي يا جدتي؟ هل تريدين البيض المقلي بالسمن الحموي؟ هل تريدين أن أحضر لك بعض الملح؟
فأخذني أبي بين ذراعيه وقال: لن تستطيع جدتك الأكل بعد اليوم. لقد فارقت الحياة.
ندمت كثيرا لأني لم أقل لها ليلتها: أحبك.
ندمت لأني لم أنم في غرفتها. آه يا جدتي، لقد كنت بركة الدار. ووددت كثيرا لو أن الله أطال عمرك، ولكن هذه هي سنة الحياة: لا أحد يخلد ويعيش أبد الدهر.
ذكرى الخزامى
لقد ظلت ذكرى جدتي في مخيلتي، وكلما أشم رائحة الخزامى أشعر أنني أشم رائحة جدتي.
معرض الصور (قصة جدتي وأزهار الخزامى)
تحميل القصة PDF أو صور
استمتع بخيالك! هذه القصة لا تحتوي على صور، مما يتيح لك تخيل الشخصيات والأحداث بنفسك، لماذا لا تجرب أحد هذه الأفكار الممتعة؟
– ارسم مغامرتك: استخدم ألوانك وأقلامك الرصاص لتجسيد شخصيات القصة ومشاهدها المفضلة.
– اكتب فصلًا جديدًا: هل تعرف ما الذي قد يحدث بعد نهاية القصة؟ اكتب فصلًا جديدًا وقم بتطوير الأحداث
شارك برأيك
ما هو أكثر شيء أعجبك في هذه القصة؟ نود سماع رأيك!